فلما حانت الامتحانات
راشد بن عبدالرحمن البداح
إن ثمت شدائد تعصف بكيان بني الإنسان، ثم لا تكاد تعود مدى الحياة.
لكن ثمت شدائد مؤقتة تتكرر مع مضي الزمان، لها أمد معدود ومدى ممدود، ومن هذه الشدائد المؤقتة التي تعتاد فئة من الناس: تلك التي تسمى(الاختبارات النهائية) لطلاب وطالبات المدارس.
ويتعدى الأمر ليصل آباءهم وأمهاتهم، ليشاركوا أولادهم هذه الشدة العصيبة، فمن الآباء من يعينهم على تجاوز محنة الامتحانات على أحسن ما يستطاع، ومنهم من يكون على أولاده عبئاً على عبء.
وليس الحديث هنا عن المذاكرة وما يمتُّ لها بصِلة، ولا عن أحوال الطلاب في أيام الامتحانات، لكنها إشارات تغني وتكفي عن كثير من العبارات، سواء ما يتعلق بهذه الأيام أو ما يتبعها من أيام قريبة بعدها، وإنما الحديثُ منْصَبٌّ للوالدين والمربين والمعلمين على وجه أخص؛ لأن الأولاد ذكوراً وإناثاً مشغولون الآن، فهذا الإجمال، وإليكم التفصيل كما يلي:
1- ثقوا بأبنائكم وبناتكم هذه الأيام خصوصاً، ولكن ليست الثقة العمياء! فإن قال أو قالت: أذهب إلى معلم أو معلمة خصوصية، فلا تأخذوا القول على عواهنه! بل تقصَّوا بحَذرٍ مدى صحته، فلربما كانت أكذوبة، فلا تنْطلِ عليكم.
2- هناك جلساء وجليسات امتلأت قلوبهم حقداً وحسداً من عند أنفسهم، كلما رأوا مُجِدّاً ومُجِدّةً غاظهم ذلك، فلا يهنأ لهم بال حتى يثنوهما عن هذا الجد والاجتهاد، وذلك قد يصل إلى الإصابة بالعين، والعين حق، وهي من قدر الله، ولكن لمنعها أسباب منها: ذكر الله والابتعاد عن الحسَّاد.
وكم رأينا من صرعى أثر الإصابة بالعين، حتى في قاعات الامتحانات.
فالذكرَ الذكرَ، فهو الحصن الحصين من شرور الإنس والجن.
3- أيها الأبوان.. أيها المربون: هل تعرفون شيئاً يقال له ((CABTAGON)) ؟؟ إنها كلمة لها رنين ومدلول قوي عند كثير من الشباب والفتيات! فهل تدرون ما هي؟ إنها عبارة عن حبوب بيضاء يسمُّونها:(أبو قوس) ويزعمون أنها تنشط الذهن ، وتعين على تقوية الذاكرة عند المذاكرة!! وأما الأطباء فيؤكدون أن لها أضراراً مستقبلية خطيرة، والأخطر والأدهى والأمَرُّ: أنها باختصار بوابة للدخول في عالم مخيف، يسمى عالم إدمان المخدرات..! نعم المخدرات! فهل فتَّشنا جيوبهم وجيوبهن، وحقائبهم وحقائبهن، وغرفهم وغرفهن، وسياراتهم وثيابهن ! لكن هذا التفتيش مشروط: بألا يعلموا أننا نفعل ذلك ولابد؛ وإلا أدخلنا الريبة بينهم، وأفقدنا بأنفسنا ثقتهم بنا.. ثم لا تَسَل بعد ذلك ما يحصل من الفساد والعناد!
وقد يقول قائلٌ أو قائلة: إننا نثق بأولادنا، ولن نفعل معهم ذلك! فيقال: نعم! لابد أن تعطوهم الثقة التي تجعلهم يعتمدون على أنفسهم، ويُحِسُّون لأجلها أنهم قادرون على معرفة مصالحهم، واختيار ذلك من تلقاء أنفسهم.. لكن لا للثقة العمياء المطلقة التي تؤؤل بهم إلى فعل كل ما يحلو لهم بلا رقيب ولا حسيب، ثم تقع الطامة، وحينها نندم يوم لا ينفع الندم.
4- إنهم يذاكرون وإنهن يذاكرن: لكن أين ومع من؟ فإن كان في المنزل فلا خوف، وإن كان خارجه فهنا السؤال: فهل حصل التثبت من بعيد عن صحة ذلك، حتى يحصل الاطمئنان؟ فيكون الخبر عين اليقين بعدما كان علم اليقين!!.
5- أيها الأبوان: ربما أن لكم أولاداً من ذكور وإناث قد ظهر عليهم أثر الاستقامة والبر، و لكم - أيضا -ً أولاد دون هؤلاء ديناً وخلقاً وبراً، فسترون شيئاً وتلاحظونه-إن لم تكونوا قد لاحظتموه جيداً-أن أبناءكم وبناتكم البررة الصالحين في زمن الامتحانات: يكونون أكثر براً وأشد صلاحاً ! فما السر؟!
السر حسب الاستقراء: أن فترة الامتحانات تُكسِب هؤلاء ثلاثة أشياء بارزة:
1- كثرة الاتصال بالصالحين.
2- اهتمام والديهم بهم بسبب ظروف الامتحانات.
3- قلة الاتصال بوسائل الفساد، إن كان أحد منهم مبتلىً بشيء منها في الخفاء؛ حيث لا يعلم الناس؛ وهذه الأمور بدورها- تجعل الأولاد أكثر إقبالاً على الله، وانصرافاً عن الشيطان وجنده.
فالمأمول اهتبال هذه الفرصة السانحة؛ لتنميتها وتثبيتها حتى تزيد وتترعرع (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم).
6- ماذا لو رسب ابنك أو ابنتك.. عفواً؟! ماذا لو نقصت الدرجات والمعدلات بعد كثير من الاستعدادات والمذاكرات ؟! فهيىء نفسك أيها الأب وأيتها الأم: لهذا الاحتمال الذي قد يكون وارداً؛ وقدِّروا أسوأ الاحتمالات حتى لاتنصدموا، ثم تزيدوا من صدمة ابنكم وابنتكم؛ فأعِدُّوا للسؤال جواباً، وللجواب صواباً.
7- الأيام التي تتبع الامتحانات مباشرة, ما العمل فيها ؟
أقصد أول أسبوع من الإجازة تقريباً! قد تقول: إذا جاءت فلها(ألف حلاَّل) كما يقولون! فأقول: هذه الأيام قد باتت وشيكة، لا سيما لمن في المرحلة الجامعة! ثم إن سبب الحديث عنها بالتحديد؛ لما يحصل فيها غالباً من تضيع الأوقات والصلوات، بالنوم نهاراً والسهر ليلاً, وعدم التقيُّد بجدول يعود بالنفع ديناً أو حتى دنيا، حتى إن هذا الخلل يقع ممن يُتوسَّم فيهم الصلاح من الأبناء والبنات.
فلا بد أن نخطط مع المربين لوضع برامج ولو مسلية، خلال الأسبوع الأول من الإجازة بالذات، لينتظم ما بعده. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
7 / 4 / 1425هـ